أخبارملفات وحوارات

الأرصدة الليبية في بلجيكا: أين ذهبت فوائد 15 مليار يورو؟

سجلت قضية الأرصدة الليبية المجمدة في مصارف بلجيكا تطورات بالغة الأهمية هذا الأسبوع، تجاوزت معها السؤال حول ما إذا كانت الحكومة البلجيكية قد تصرفت في الأموال الليبية المجمدة، ليصبح السؤال الأهم، ووفق مراقبين، أين وإلى من ذهبت 300 مليون يورو خلال الستة أشهر الأخيرة من العام 2012.

 

على نحو مفاجئ، أقر مصدر حكومي بلجيكي، ضمنيا برفع الحظر المفروض على الأرصدة الليبية المجمدة منذ العام 2011، وذلك في أول اعتراف بهذا الشأن منذ تفجير القضية قبل أكثر من عام، فيما نقلت محطة إذاعة بلجيكية عن مصدر مقرب من الملف قوله: «إن الحكومة البلجيكية لعبت دورا في تمويل الميليشيات الليبية المسؤولة عن الإتجار بالبشر».

 

مصادر حكومية قالت: «إن قرار بلجيكا رفع الحظر عن الأموال الليبية المجمدة اندرج بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الصادر في 4 أكتوبر 2012، عندما أصبح من الواضح أنه لم يعد هناك أساس قانوني لذلك».

العقوبات والتجميد.

 

وتوضح الحكومة البلجيكية أن مجلس الأمن فرض العقوبات ضمن القرار 1970، الذي اعتمد في 16 فبراير 2011. وتضيف: «تم إلغاء تجميد الأصول الليبية وحظر الأسلحة على ليبيا جزئيا بموجب القرار 2009، الذي صدر في 16 سبتمبر 2011، قبل شهر واحد من مقتل العقيد القذافي وسقوط نظامه في 20 أكتوبر».

 

وتبرر مصادر الحكومة البلجيكية موقفها بالقول إنه تم «نقل هذين النصين إلى القانون الأوروبي، وبالتالي ينطبقان أيضا على بلجيكا، ولكن تفسيرا للقرار الثاني من قبل مجموعة المستشارين للعلاقات الخارجية تابعة للاتحاد الأوروبي، الذي تم إرساؤه في 20 نوفمبر 2011، يقول إنه لم يعد من الممكن تجميد الفوائد المتولدة من الحسابات المحظورة».

 

وزير المالية ستيفن فاناكير، وحسب مصادر للإذاعة البلجيكية، أذن لمصرف «يوروكلير» بالإفراج عن الأموال الليبية في 4 أكتوبر 2012، بموجب خطاب من نائب رئيس الخزانة. وأوضح النائب البلجيكي جورج جيلكينيت أن وزير الخارجية الحالي ديديه ريندرس هو الذي أمر برفع الحظر في الواقع. ونفى وزير الخارجية اليوم هذا الأمر، مؤكدا أن وزير الخزانة في ذلك الوقت هو الذي اتخذ القرار.

 

تهريب أسلحة لميليشيات

التطور الآخر الأكثر أهمية، وفق مراقبين، هو ما نقلته إذاعة «آر تي بي إف إم»، عن مصدر اشترط عدم كشف هويته، بالقول: «فصائل الميليشيات الليبية حصلت على جميع الأسلحة التي يحتاجونها على مدار 7 سنوات»، مضيفا: «بعض الدول تسلحهم علنا، لكنهم وجدوا أيضا الأسلحة بوسائل أخرى»، موضحا: «كانت هناك قضية أو اثنتان مرتبطتان بطائرات قد توقفت في مطار (أوستند) البلجيكي محملة بالأسلحة نحو ليبيا».

 

وحسب المصادر، فقد جرى «تجميد الأصول بأربعة بنوك في العام 2011، لكن الفوائد والأرباح لم يتم تجميدها، وجرى استعمال ما بين 3 و5 مليارات من هذه الحسابات منذ العام 2012». وقالت: «لا أحد يعرف بالضبط ما حدث لهذا المال، لكن تقرير الأمم المتحدة، الذي نشر في سبتمبر، يفيد بوجود مشكلة تهريب الأسلحة لتغذية الفصائل المسلحة والميليشيات»، مضيفة: «هناك سوق كاملة تهدف إلى جلب المهاجرين وإشراك شبكات البغاء النيجيري».

 

وفي يونيو الماضي، كشفت مجلة «لوفيف لكسبرس» البلجيكية، أن وفدا يمثل مجلس الأمن الدولي زار بلجيكا في مايو الماضي، وباشر تحقيقا رسميا لمعرفة مصير الأموال الليبية المجمدة في البلاد، منذ العام 2011، مشيرة إلى أن الأمر يتعلق بالأموال المجمدة لدى مؤسسة (يوركلير) المالية، التي هي محل تحقيق رسمي من قبل مكتب الادعاء العام البلجيكي، تحت بند مكافحة غسل الأموال.

 

روبرت واتروالجي، الأستاذ الفخري في جامعة كاليفورنيا قال إنها «مؤسسة مافيا، لكنها تعتمد على جميع الميليشيات المعنية. إنها تتلقى أموالا خارجية».

 

الجدل مستمر

ويمتد الجدل حول هذا الملف منذ نحو عام، إذ كشف سفير ليبيا السابق لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبرغ، مراد محمد حميمة، في مارس الماضي سحب 300 مليون يورو من أرصدة الدولة الليبية المجمدة في بلجيكا في الفترة من 30 يونيو 2012 وحتى نهاية ديسمبر من العام نفسه. وأوضح حميمة في بيان حصلت «الوسط» على نسخة منه وقتذاك أن قيمة الأرصدة الليبية المجمدة في بلجيكا تزيد على 15 مليار يورو، حسب جداول تسلمها السفير إبان عمله في بروكسل من وزير المالية البلجيكي، توضح قيمة المبالغ المجمدة وأسماء المصارف المودعة بها.

 

لم تتوقف أصداء هذا الكشف على الجانب الحكومي، إذ تفاعل البرلمانان الليبي والبلجيكي مع هذه التطورات.

 

ففي ليبيا، طالب رئيس لجنة الحوار في مجلس النواب، عبدالسلام نصية، المؤسسة الليبية للاستثمار والنائب العام والرقابة الإدارية وديوان المحاسبة بمعرفة كيفية صرف الأموال الليبية في بلجيكا، ولمن ذهبت؟.وقال رئيس لجنة الحوار، في تغريدة عبر حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إن «ليبيا تغذي أزمتها الأمنية من مواردها».

 

أما في مجلس النواب البلجيكي، فقد خطط البرلمانيون البلجيكيون لسماع خبراء الأمم المتحدة في جلسة داخل مجلس النواب، حيث دعا البرلمانيون مرارا وتكرارا الحكومة البلجيكية لشرح هذه القضية. وقال النائب جورج داليمان للإذاعة: «عندما نطرح السؤال على الوزراء، لا نتلقى إجابة تذكر عن المبالغ والأسباب. هذه مشكلة خطيرة للغاية، وتلوث سمعة بلجيكا».

 

من جهته، يرى البرلماني جورج جيلكينيت أن الحكومة البلجيكية تستخدم الطابع المعقد للملف لغاية عدم إعطاء المعلومات والتراجع عن القرارات المتخذة على المستوى الأوروبي.

التكتم العام

 

لكن روبرت واترولجي يقول إنه «لا توجد الشفافية الضرورية على المستوى البرلماني»، مضيفا: «هذا هو الصمت المطبق، وهو نوع من قانون التكتم العام». ونقلت الإذاعة عن مصدر أمني قوله: «من الممكن أن تكون هذه الفضيحة أكثر خطورة من أي فضيحة أخرى لأنها تعني التمويل المحتمل للحرب الأهلية الليبية لمدة 7 سنوات، وهي الحرب التي أدت إلى أزمة هجرة كبرى في أوروبا». وأضافت: «هناك اسم يظهر بانتظام في التحقيق الصحفي، وهو وزير المالية السابق ووزير الشؤون الخارجية الحالي ديدييه رايندرز».

 

أما النائب جورج جيلكينيت فقال إن بلجيكا كانت ملزمة باحترام التزام الأمم المتحدة، ولكن في العام 2011، وافقت على الإفراج عن فوائد هذه الأموال، وتمت إعادة توزيع مئات الملايين من اليورو، ولا أحد يعرف أين أو لماذا، نحن نعرف فقط أن الوزير ريندرز في ذلك الوقت كان يملك سلطة اتخاذ القرار. تتنوع الآراء، ويبقي السؤال قائما: ما مصير الـ300 مليون يورو؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق